فصل: تفسير الآيات رقم (1- 4)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الخازن المسمى بـ «لباب التأويل في معاني التنزيل» ***


سورة النازعات

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 2‏]‏

‏{‏وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا ‏(‏1‏)‏ وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا ‏(‏2‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏والنازعات غرقاً والناشطات نشطاً والسابحات سبحاً فالسابقات سبقاً‏}‏ اختلفت عبارات المفسرين في هذه الكلمات هل هي صفات لشيء واحد أو لأشياء مختلفة على أوجه واتفقوا على أن المراد بقوله ‏{‏فالمدبرات أمراً‏}‏ وصف لشيء واحد وهم الملائكة‏:‏

الوجه الأول‏:‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والنازعات غرقاً‏}‏ يعني الملائكة تنزع أرواح الكفار من أقاصي أجسامهم‏.‏ كما يغرق النازع في القوس فيبلغ بها غاية المد، والغرق من الإغراق أي، والنازعات إغراقاً وقال ابن مسعود‏:‏ «إن ملك الموت، وأعوانه ينزعون روح الكافر كما ينزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبتل، فتخرج نفس الكافر كالغريق في الماء» ‏{‏والناشطات نشطاً‏}‏ الملائكة تنشط نفس المؤمن أي تسلها سلاًّ رفيقاً فتقبضها كما ينشط العقال من يد البعير، وإنما خص النزع بنفس الكافر والنشط بنفس المؤمن، لأن بينهما فرقاً فالنزع جذب بشدة والنشط جذب برفق، ‏{‏والسابحات سبحاً‏}‏ يعني الملائكة يقبضون أرواح المؤمنين يسلونها سلاً رفيقاً، ثم يدعونها حتى تستريح، ثم يستخرجونها كالسابح في الماء يتحرك فيه برفق ولطافة، وقيل هم الملائكة ينزلون من السماء مسرعين كالفرس الجواد إذا أسرع في جريه‏.‏ يقال له سابح ‏{‏فالسابقات سبقاً‏}‏ يعني الملائكة سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح، وقيل هم الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة‏.‏

الوجه الثاني‏:‏ في قوله ‏{‏والنازعات غرقاً‏}‏ يعني النفس حين تنزع من الجسد، فتغرق في الصدر ثم تخرج ‏{‏والناشطات نشطاً‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ هي نفوس المؤمنين تنشط للخروج عند الموت لما ترى من الكرامة، وذلك لأنه يعرض عليه مقعده في الجنة قبل أن يموت وقال علي بن أبي طالب‏:‏ هي أرواح الكفار تنشط بين الجلد، والأظفار حتى تخرج من أفواههم بالكرب والغم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏3- 7‏]‏

‏{‏وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا ‏(‏3‏)‏ فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا ‏(‏4‏)‏ فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ‏(‏5‏)‏ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ‏(‏6‏)‏ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ‏(‏7‏)‏‏}‏

‏{‏والسابحات سبحاً‏}‏ يعني أرواح المؤمنين حين تسبح في الملكوت ‏{‏فالسابقات سبقاً‏}‏ يعني استباقها إلى الحضرة المقدسة‏.‏

الوجه الثالث‏:‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والنّازعات غرقاً‏}‏ يعني النجوم تنزع من أفق إلى أفق تطلع ثم تغيب ‏{‏والناشطات نشطاً‏}‏ يعني النجوم تنشط من أفق إلى أفق، أي تذهب ‏{‏والسابحات سبحاً‏}‏، يعني النجوم والشمس والقمر يسبحون في الفلك‏.‏ ‏{‏فالسابقات سبقاً‏}‏ يعني النجوم يسبق بعضها بعضاً في السير‏.‏

الوجه الرابع‏:‏ في قوله تعالى ‏{‏والنّازعات غرقاً‏}‏ يعني خيل الغزاة تنزع في أعنتها وتغرق في عرقها وهي الناشطات نشطاً لأنها تخرج بسرعة إلى ميدانها، وهي السابحات في جريها، وهي السابقات سبقاً لاستباقها إلى الغاية‏.‏

الوجه الخامس‏:‏ في قوله ‏{‏والنازعات غرقاً‏}‏ يعني الغزاة حين تنزع قسيها في الرمي فتبلغ غاية المد وهو قوله غرقاً، ‏{‏والنّاشطات نشطاً‏}‏ أي السّهام في الرمي ‏{‏والسّابحات سبحاً، فالسّابقات سبقاً‏}‏ يعني الخيل والإبل حين يخرجها أصحابها إلى الغزو‏.‏

الوجه السادس‏:‏ ليس المراد بهذه الكلمات شيئاً واحداً، فقوله والنازعات يعني ملك الموت ينزع النفوس غرقاً حتى بلغ بها الغاية، ‏{‏والناشطات نشطاً‏}‏ يعني النفس تنشط من القدمين بمعنى تجذب، ‏{‏والسابحات سبحاً‏}‏ يعني السفن، ‏{‏والسابقات سبقاً‏}‏ يعني مسابقة نفوس المؤمنين إلى الخيرات والطاعات‏.‏

أما قوله‏:‏ ‏{‏فالمدبرات أمراً‏}‏، فأجمعوا على أنهم الملائكة قال ابن عباس‏:‏ هم الملائكة وكلوا بأمور عرفهم الله عز وجل‏:‏ العمل بها وقال عبد الرّحمن بن سابط يدبر الأمر في الدنيا أربعة أملاك جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، واسمه عزرائيل، فأما جبريل فموكل بالرّياح والجنود، وأما ميكائيل فموكل بالقطر والنّبات، وأما ملك الموت فموكل بقبض الأنفس، وأما إسرافيل فهو ينزل عليهم بالأمر من الله تعالى أقسم الله بهذه الأشياء لشرفها، ولله أن يقسم بما يشاء من خلقه، أو يكون التقدير، ورب هذه الأشياء، وجواب القسم محذوف تقديره لتبعثن، ولتحاسبن، وقيل جوابه ‏{‏إن في ذلك لعبرة لمن يخشى‏}‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 14‏]‏

‏{‏قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ‏(‏8‏)‏ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ‏(‏9‏)‏ يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ ‏(‏10‏)‏ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً ‏(‏11‏)‏ قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ‏(‏12‏)‏ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ‏(‏13‏)‏ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ‏(‏14‏)‏‏}‏

‏{‏قلوب يومئذ واجفة‏}‏ ‏{‏يوم ترجف الراجفة‏}‏ يعني النفخة الأولى يتزلزل ويتحرك لها كل شيء، ويموت منها جميع الخلق ‏{‏تتبعها الرادفة‏}‏ يعني النفخة الثانية ردفت الأولى وبينهما أربعون سنة، وقال قتادة‏:‏ هما صيحتان فالأولى تميت كل شيء، والأخرى تحيي كل شيء بإذن الله عز وجلّ وقيل الرّاجفة التي تزلزل الأرض، والجبال والرادفة التي تشق السماء، وقيل الراجفة القيامة والرّادفة البعث يوم القيامة روى البغوي بسند الثعلبي عن أبي بن كعب قال‏:‏ «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع اللّيل قام وقال‏:‏ أيّها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه»‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قلوب يومئذ واجفة‏}‏ أي خافقة قلقة مضطربة، وقيل وجله زائلة عن أماكنها ‏{‏أبصارها خاشعة‏}‏ أي أبصار أهلها خاشعة ذليلة، والمراد بها الكفار بدليل قوله تعالى ‏{‏يقولون‏}‏ يعني المنكرين للبعث إذا قيل لهم إنكم مبعوثون بعد الموت‏.‏ ‏{‏أئنا لمردودون في الحافرة‏}‏ يعني أنرد إلى أول الحال، وابتداء الأمر فنصير أحياء بعد الموت كما كنا أول مرة والعرب تقول رجع فلان في حافرته، أي رجع من حيث جاء فالحافرة عنده اسم لابتداء الشيء وأول الشيء ويقال رجع فلان في حافرته أي في طريقه الذي جاء منه يحفره بمشيئته، فحصل بأثر قدميه حفر فهي محفورة في الحقيقة، وقيل الحافرة الأرض التي تحفر فيها قبورهم سميت حافرة لأنها يستقر عليها الحافر، والمعنى أئنا لمردودون إلى الأرض فنبعث خلقاً جديداً نمشي عليها، وقيل الحافرة النار ‏{‏أئذا كنا عظاماً نخرة‏}‏ أي بالية وقرئ ناخرة وهما بمعنى، وقيل الناخرة المجوفة التي يمر فيها الريح فتنخر أي توصت ‏{‏قالوا‏}‏ يعني المنكرين للبعث إذا عاينوا أهوال القيامة ‏{‏تلك إذاً كرة خاسرة‏}‏ أي رجعة غابنة يعني إن رددنا بعد الموت لنخسرن بما يصيبنا بعد الموت‏.‏ ‏{‏فإنما هي‏}‏ يعني النفخة الأخيرة ‏{‏زجرة واحدة‏}‏ أي صيحة واحدة يجمعون بها جميعاً ‏{‏فإذا هم بالساهرة‏}‏ يعني وجه الأرض سميت ساهرة لأن عليها نوم الحيوان وسهرهم، وقيل هي التي كثر الوطء عليها كأنها سهرت، والمعنى أنهم كانوا في بطن الأرض‏.‏ فلما سمعوا الصيحة صاروا على وجهها، وقيل هي أرض الشام وقيل أرض القيامة، وقيل هي أرض جهنم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 27‏]‏

‏{‏هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ‏(‏15‏)‏ إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ‏(‏16‏)‏ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ‏(‏17‏)‏ فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى ‏(‏18‏)‏ وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ‏(‏19‏)‏ فَأَرَاهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى ‏(‏20‏)‏ فَكَذَّبَ وَعَصَى ‏(‏21‏)‏ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى ‏(‏22‏)‏ فَحَشَرَ فَنَادَى ‏(‏23‏)‏ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ‏(‏24‏)‏ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى ‏(‏25‏)‏ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى ‏(‏26‏)‏ أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ‏(‏27‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏هل أتاك حديث موسى‏}‏ يا محمد وذلك أنه صلى الله عليه وسلم شق عليه حين كذبه قومه، فذكر له قصة موسى عليه الصلاة والسلام وأنه كان يتحمل المشاق من قومه ليتأسى به ‏{‏إذ ناداه ربه بالواد المقدس‏}‏ أي المطهر ‏{‏طوى‏}‏ هو اسم واد بالشام عند الطور ‏{‏اذهب إلى فرعون إنه طغى‏}‏ أي علا وتكبر وكفر بالله ‏{‏فقل هل لك إلى أن تزكى‏}‏ أي تتطهر من الشّرك والكفر، وقيل معناه تسلم وتصلح العمل وقال ابن عباس‏:‏ تشهد أن لا إله إلا الله ‏{‏وأهديك إلى ربك‏}‏ أي أدعوك إلى عبادة ربك وتوحيده ‏{‏فتخشى‏}‏ يعني عقابه وإنما خص فرعون بالذكر، وإن كانت دعوة موسى شاملة لجميع قومه لأن فرعون كان أعظمهم فكانت دعوته دعوة لجميع قومه ‏{‏فأراه‏}‏ أي أرى موسى فرعون ‏{‏الآية الكبرى‏}‏ يعني اليد البيضاء والعصا ‏{‏فكذب‏}‏ يعني فرعون بأنها من الله ‏{‏وعصى‏}‏ أي تمرد وأظهر التجبر ‏{‏ثم أدبر‏}‏ أي أعرض عن الإيمان ‏{‏يسعى‏}‏ يعمل الفساد في الأرض ‏{‏فحشر‏}‏ أي فجمع قومه وجنوده ‏{‏فنادى‏}‏ أي لما اجتمعوا ‏{‏فقال‏}‏ يعني فرعون لقومه ‏{‏أنا ربكم الأعلى‏}‏ أي لا رب فوقي، وقيل أراد أن الأصنام أرباب وهو ربها وربهم ‏{‏فأخذه الله نكال الآخرة والأولى‏}‏ أي عاقبة فجعله عبرة لغيره بأن أغرقه في الدنيا ويدخله النار في الآخرة، وقيل أراد بالآخرة والأولى كلمتي فرعون وهما قوله ‏{‏ما علمت لكم من إله غيري‏}‏ وقوله ‏{‏أنا ربكم الأعلى‏}‏ وكان بينهما أربعون سنة ‏{‏إن في ذلك‏}‏ أي في الذي فعل بفرعون حين كذب وعصى ‏{‏لعبرة‏}‏ أي عظة ‏{‏لمن يخشى‏}‏ أي يخاف الله عز وجل ثم عاتب منكري البعث فقال تعالى‏:‏ ‏{‏أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها‏}‏ معناه أخلقكم بعد الموت أشد أم خلق السّماء عندكم في تقديركم‏.‏ فإن كلا الأمرين بالنسبة إلى قدرة الله واحد، لأن خلق الإنسان على صغره وضعفه إذا أضيف إلى خلق السماء مع عظمها وعظم أحوالها كان يسيراً فبين تعالى‏:‏ أن خلق السماء أعظم، وإذا كان كذلك كان خلقكم بعد الموت أهون على الله تعالى‏:‏ فكيف تنكرون ذلك مع علمكم بأنه خلق السموات والأرض ولا تنكرون ذلك‏.‏ ثم إنه تعالى ذكر كيفية خلق السّماء والأرض‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏28- 44‏]‏

‏{‏رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ‏(‏28‏)‏ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ‏(‏29‏)‏ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ‏(‏30‏)‏ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ‏(‏31‏)‏ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ‏(‏32‏)‏ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ‏(‏33‏)‏ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى ‏(‏34‏)‏ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى ‏(‏35‏)‏ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى ‏(‏36‏)‏ فَأَمَّا مَنْ طَغَى ‏(‏37‏)‏ وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ‏(‏38‏)‏ فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ‏(‏39‏)‏ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ‏(‏40‏)‏ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ‏(‏41‏)‏ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ‏(‏42‏)‏ فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا ‏(‏43‏)‏ إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا ‏(‏44‏)‏‏}‏

‏{‏رفع سمكها‏}‏ يعني علو سمتها، وقيل رفعها بغير عمد ‏{‏فسواها‏}‏ أي أتقن بناءها، فليس فيها شقوق، ولا فطور، ‏{‏وأغطش‏}‏ أي أظلم ‏{‏ليلها‏}‏ والغطش الظلمة ‏{‏وأخرج‏}‏ أي وأظهر وأبرز ‏{‏ضحاها‏}‏ أي نهارها، وإنما عبر عن النهار بالضحى لأنه أكمل أجزاء النهار في النور، والضوء، وإنما أضاف الليل والنهار إلى السماء لأنهما يجريان بسبب غروب الشمس وطلوعها، وهي في السماء ثم وصف كيفية خلق الأرض‏.‏ فقال تعالى‏:‏ ‏{‏والأرض بعد ذلك دحاها‏}‏ أي بسطها ومدها قال أمية بن أبي الصلت‏:‏

دحوت البلاد فسويتها *** وأنت على طيها قادر

فإن قلت ظاهر هذه الآية، يقتضي أن الأرض خلقت بعد السّماء بدليل قوله تعالى ‏{‏بعد ذلك‏}‏ وقد قال تعالى‏:‏ في حم السّجدة ‏{‏ثم استوى إلى السماء‏}‏ فكيف الجمع بين الآيتين وما معناهما‏.‏

قلت خلق الله الأرض أولاً مجتمعة، ثم سمك السماء ثانياً، ثم دحا الأرض بمعنى مدها وبسطها‏.‏ ثالثاً، فحصل بهذا التفسير الجمع بين الآيتين، وزال الإشكال قال ابن عباس‏:‏ خلق الله الأرض بأقواتها، من غير أن يدحوها قبل السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وقيل معناه والأرض مع ذلك دحاها كقوله ‏{‏عتل بعد ذلك زنيم‏}‏ أي مع ذلك ‏{‏أخرج منها ماءها ومرعاها‏}‏ أي فجر من الأرض عيونها، ومرعاها أي رعيها، وهي ما يأكله النّاس، والأنعام واستعير الرعي للإنسان على سبيل التّجوز‏.‏ ‏{‏والجبال أرساها‏}‏ أي أثبتها ‏{‏متاعاً لكم ولأنعامكم‏}‏ أي الذي أخرج من الأرض هو بلغة لكم ولأنعامكم‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فإذا جاءت الطّامة الكبرى‏}‏ يعني النّفخة الثانية، التي فيها البعث، وقيل الطامة القيامة سميت بذلك لأنها تطم على كل شيء فتعلو عليه، والطامة عند العرب الداهية التي لا تستطاع‏.‏ ‏{‏يوم يتذكر الإنسان ما سعى‏}‏ أي ما عمل في الدنيا من خير، أو شر‏.‏ ‏{‏وبرزت الجحيم لمن يرى‏}‏ يعني أنه ينكشف عنها الغطاء فينظر إليها الخلق ‏{‏فأما من طغى‏}‏ أي كفر ‏{‏وآثر الحياة الدّنيا‏}‏ أي على الآخرة ‏{‏فإن الجحيم هي المأوى‏}‏ أي لمن هذه صفته ‏{‏وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى‏}‏ أي المحارم التي يشتهيها وقيل هو الرجل يهم بالمعصية، فيذكر مقامه بين يديه جلّ جلاله للحساب فيتركها لذلك ‏{‏فإن الجنة هي المأوى‏}‏ أي لمن هذه صفته‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏يسألونك‏}‏ أي يا محمد ‏{‏عن الساعة أيّان مرساها‏}‏ أي متى ظهورها وقيامها ‏{‏فيم أنت من ذكراها‏}‏ أي لست في شيء من علمها وذكراها حتى تهتم لها وتذكر وقتها ‏{‏إلى ربك منتهاها‏}‏ أي منتهى علمها لا يعلم متى تقوم الساعة إلا هو، وقيل معناه فيم إنكار لسؤالهم، أي فيم هذا السّؤال، ثم قال أنت يا محمد من ذكراها، أي من علامتها، لأنك آخر الرّسل، وخاتم الأنبياء، فكفاهم ذلك دليلاً على دنوها، ووجوب الاستعداد لها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏45- 46‏]‏

‏{‏إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ‏(‏45‏)‏ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ‏(‏46‏)‏‏}‏

‏{‏إنما أنت منذر من يخشاها‏}‏ أي إنما ينفع إنذارك من يخافها‏.‏ ‏{‏كأنهم‏}‏ يعني الكفار ‏{‏يوم يرونها‏}‏ أي يعاينون يوم القيامة‏.‏ ‏{‏لم يلبثوا‏}‏ أي في الدنيا، وقيل في قبورهم ‏{‏إلا عشية أو ضحاها‏}‏‏.‏

فإن قلت العشية ليس لها ضحى فما معنى قوله ‏{‏أو ضحاها‏}‏‏؟‏

قلت قيل إن الهاء والألف صلة، والمعنى لم يلبثوا إلا عشية، أو ضحى، وقيل إضافة الضّحى إلى العشية، إضافة إلى يومها، كأنه قال‏:‏ إلا عشية أو ضحى يومها‏.‏ والله أعلم بمراده وأسرار كتابه‏.‏

سورة عبس

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏عَبَسَ وَتَوَلَّى ‏(‏1‏)‏ أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ‏(‏2‏)‏ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ‏(‏3‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏عبس وتولى‏}‏ أي كلح وقطب وجهه وتولى أي أعرض بوجهه‏.‏ ‏{‏أن جاءه الأعمى‏}‏ يعني ابن أم مكتوم، واسمه عمرو، وقيل عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة، وقيل عمرو قيس بن زائدة بن الأصم بن زهرة بن رواحة القرشي الفهري من بني عامر بن لؤي، واسم أمه عاتكة بنت عبد الله المخزومية، وهو ابن خالة خديجة بنت خويلد أسلم قديماً بمكة، وذلك أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يناجي عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب، وأبي بن خلف، وأخاه أمية بن خلف ويدعوهم إلى الله يرجو إسلامهم فقال ابن أم مكتوم‏:‏ يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله؛ وجعل يناديه ويكرر النّداء، وهو لا يدري أنه مقبل على غيره حتى ظهرت الكراهة في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقطعه كلامه، وقال في نفسه يقول هؤلاء الصّناديد إنما اتبعه الصّبيان، والعبيد، والسّفلة فعبس وجهه وأعرض عنه، وأقبل على القوم الذين كان يكلمهم، فأنزل الله هذه الآيات معاتبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه إذا رآه، ويقول مرحباً بمن عاتبني الله فيه ويقول له هل لك من حاجة، واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين وكان من المهاجرين الأولين، وقيل قتل شهيداً بالقادسية قال أنس‏:‏ رأيته يوم القادسية، وعليه درع ومعه راية سوداء، عن عائشة رضي الله عنها قالت «أنزلت ‏{‏عبس وتولى‏}‏ في ابن أم مكتوم الأعمى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول يا رسول الله أرشدني، وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم عظماء قريش من المشركين فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ويقبل على الآخرين ويقول أترى بما أقول بأساً فيقول لا ففي هذا أنزلت» أخرجه التّرمذي، وقال حديث غريب ‏{‏وما يدريك‏}‏ أي أي شيء يجعلك دارياً ‏{‏لعله يزكى‏}‏ أي يتطهر من الذّنوب بالعمل الصّالح وما يتعلمه منك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏4- 15‏]‏

‏{‏أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ‏(‏4‏)‏ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ‏(‏5‏)‏ فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ‏(‏6‏)‏ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ‏(‏7‏)‏ وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ‏(‏8‏)‏ وَهُوَ يَخْشَى ‏(‏9‏)‏ فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ‏(‏10‏)‏ كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ‏(‏11‏)‏ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ‏(‏12‏)‏ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ‏(‏13‏)‏ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ‏(‏14‏)‏ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ‏(‏15‏)‏‏}‏

‏{‏أو يذكر‏}‏ أي يتعظ ‏{‏فتنفعه الذكرى‏}‏ أي الموعظة ‏{‏أما من استغنى‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ عن الله وعن الإيمان بما له من المال ‏{‏فأنت له تصدى‏}‏ أي تتعرض له، وتقبل عليه وتصغى إلى كلامه ‏{‏وما عليك ألا يزكى‏}‏ أي لا يؤمن، ولا يهتدي وإنما عليك البلاغ ‏{‏وأما من جاءك يسعى‏}‏ يعني يمشي يعني ابن أم مكتوم ‏{‏وهو يخشى‏}‏ أي الله عز وجل ‏{‏فأنت عنه تلهى‏}‏ أي تتشاغل وتعرض عنه ‏{‏كلا‏}‏ أي لا تفعل بعدها مثلها ‏{‏إنها‏}‏ يعني الموعظة وقيل آيات القرآن ‏{‏تذكرة‏}‏ أي موعظة للخلق ‏{‏فمن شاء‏}‏ أي من عباد الله ‏{‏ذكره‏}‏ أي اتعظ به يعني القرآن ثم وصف جلالة القرآن، ومحله عنده فقال عز وجل ‏{‏في صحف مكرمة‏}‏ يعني القرآن في اللّوح المحفوظ ‏{‏مرفوعة‏}‏ أي رفيعة القدر عند الله، وقيل مرفوعة في السّماء السابعة ‏{‏مطهرة‏}‏ يعني الصحف لا يمسها إلا المطهرون، وهم الملائكة ‏{‏بأيدي سفرة‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يعني كتبة، وهم الملائكة الكرام الكاتبون، واحدهم سافر ومنه قيل للكتاب سفر، وقيل هم الرّسل من الملائكة إلى الأنبياء واحدهم سفير، ثم أثنى عليهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏16- 25‏]‏

‏{‏كِرَامٍ بَرَرَةٍ ‏(‏16‏)‏ قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ‏(‏17‏)‏ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ‏(‏18‏)‏ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ‏(‏19‏)‏ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ‏(‏20‏)‏ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ‏(‏21‏)‏ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ ‏(‏22‏)‏ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ‏(‏23‏)‏ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ‏(‏24‏)‏ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ‏(‏25‏)‏‏}‏

‏{‏كرام‏}‏ أي هم كرام على الله ‏{‏بررة‏}‏ أي مطيعين له جمع بار‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قتل الإنسان‏}‏ أي لعن الكافر وطرد ‏{‏ما أكفره‏}‏ أي أشد كفره بالله مع كثرة إحسانه إليه، وأياديه عنده وهذا على سبيل التّعجب، أي أعجبوا من كفره وقيل معناه أي شيء حمله على الكفر، نزلت هذه الآية في عتبة بن أبي لهب، وقيل في أمية بن خلف، وقيل في الذين قتلوا يوم بدر، وقيل الآية عامة في كل كافر، ثم بين من أمره ما كان ينبغي أن يعلم أن الله تعالى‏:‏ خالقه منه فقال تعالى‏:‏ ‏{‏من أي شيء خلقه‏}‏ لفظه استفهام ومعناه التّقرير، ثم فسر ذلك فقال تعالى ‏{‏من نطفة خلقه فقدره‏}‏ يعني خلقه أطواراً نطفة ثم علقة، ثم مشغة، إلى آخر خلقه، وقيل قدره يعني خلق رأسه، وعينيه ويديه، ورجليه على قدر ما أراده ‏{‏ثم السبيل يسره‏}‏ أي سهل له طريق خروجه من بطن أمه، وقيل سهل له العلم بطريق الحق والباطل، وقيل يسر على كل أحد ما خلق له وقدر عليه‏.‏ ‏{‏ثم أماته فأقبره‏}‏ أي جعل له قبراً يوارى فيه، وقيل جعله مقبوراً، ولم يجعله ملقى للسّباع، والوحوش والطّيور، أو أقبره معناه ستره الله بحيث يقبر وجعله ذا قبر يدفن فيه، وهذه تكرمة لبني آدم على سائر الحيوانات‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏ثم إذا شاء أنشره‏}‏ أي أحياه بعد موته للبعث، والحساب وإنما قال تعالى ‏{‏ثم إذا شاء أنشره‏}‏ لأن وقت البعث غير معلوم لأحد فهو إلى مشيئة الله تعالى متى شاء أن يحيي الخلق أحياهم ‏{‏كلا‏}‏ ردع وزجر للإنسان عن تكبره وتجبره وترفعه، وعن كفره وإصراره على إنكار التوحيد، وإنكار البعث والحساب ‏{‏لما يقض ما أمره‏}‏ أي لم يفعل ما أمره به ربه، ولم يؤد ما فرض عليه، ولما ذكر خلق ابن آدم ذكر رزقه ليعتبر فإنه موضع الاعتبار فقال تعالى‏:‏ ‏{‏فلينظر الإنسان إلى طعامه‏}‏ إلى قدرة ربه فيه أي كيف قدره ربه، ويسره ودبره له وجعله سبباً لحياته، وقيل مدخل طعامه ومخرجه‏.‏ ثم بين ذلك فقال تعالى‏:‏ ‏{‏أنا صببنا الماء صباً‏}‏ يعني المطر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏26- 37‏]‏

‏{‏ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ‏(‏26‏)‏ فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ‏(‏27‏)‏ وَعِنَبًا وَقَضْبًا ‏(‏28‏)‏ وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا ‏(‏29‏)‏ وَحَدَائِقَ غُلْبًا ‏(‏30‏)‏ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ‏(‏31‏)‏ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ‏(‏32‏)‏ فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ ‏(‏33‏)‏ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ‏(‏34‏)‏ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ‏(‏35‏)‏ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ‏(‏36‏)‏ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ‏(‏37‏)‏‏}‏

‏{‏ثم شققنا الأرض شقاً‏}‏ أي بالنبات ‏{‏فأنبتنا فيها‏}‏ أي بذلك الماء ‏{‏حباً‏}‏ يعني الحبوب التي يتغدى بها الإنسان ‏{‏وعنباً‏}‏ يعني أنه غذاء من وجه، وفاكهة من وجه، فلهذا أتبعه الحب ‏{‏وقضباً‏}‏ يعني القت وهو الرطب سمي بذلك لأنه يقتضب، أي يقطع في كل الأيام، وقيل القضب هو العلف كله الذي تعلف به الدواب‏.‏ ‏{‏وزيتوناً‏}‏ وهو ما يعصر منه الزيت ‏{‏ونخلاً وحدائق‏}‏ جمع حديقة ‏{‏غلباً‏}‏ يعني غلاظ الأشجار، وقيل الغلب الشجر الملتف بعضه على بعض‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ طوالاً ‏{‏وفاكهة‏}‏ يعني جميع ألوان الفاكهة ‏{‏وأبا‏}‏ يعني الكلأ والمرعى الذي لم يزرعه الناس مما يأكله الدواب والأنعام، وقيل فاكهة ما يأكله الناس، والأب ما يأكله الدّواب‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ ما أنبتت الأرض مما يأكل الناس‏.‏ والأنعام روى إبراهيم التيمي أن أبا بكر سئل عن قوله‏:‏ ‏{‏وفاكهة وأبّاً‏}‏ فقال أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم ‏(‏خ‏)‏ عن أنس أن عمر قرأ ‏{‏وفاكهة وأبّاً‏}‏ قال فما الأب، ثم قال ما كلفنا أو قال ما أمرنا بهذا لفظ البخاري، وزاد غيره ثم قال اتبعوا ما بين لكم هذا الكتاب وما لا فدعوه‏.‏ ‏{‏متاعاً لكم‏}‏ يعني الفواكه والحب، والعشب منفعة لكم ‏{‏ولأنعامكم‏}‏ ثم ذكر أهوال القيامة فقال تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا جاءت الصّاخة‏}‏ يعني صيحة القيامة سميت صاخة لأنها تصخ أسماع الخلق، أي تبالغ في أسماعهم حتى تكاد تصمها ‏{‏يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته، وبنيه‏}‏ أي إنه لا يلتفت إلى واحد من هؤلاء لشغله بنفسه، والمراد من الفرار التّباعد، والسبب في ذلك الاحتراز عن المطالبة بالحقوق فالأخ يقول ما واسيتني بمالك، والأبوان يقولان قصرت في برنا، والصاحبة تقول لم توفني حقي والبنون يقولون ما علمتنا وما أرشدتنا، وقيل أول من يفر هابيل من أخيه قابيل، والنبي صلى الله عليه وسلم من أمه وإبراهيم عليه الصّلاة والسّلام من أبيه ولوط من صاحبته ونوح من ابنه، وقيل يفر المؤمن من موالاة هؤلاء، ونصرتهم والمعنى أن هؤلاء الذين كانوا يقربونهم في الدنيا، ويتقوون بهم ويتعززون بهم يفرون منهم في الدّار الآخرة، وفائدة الترتيب كأنه قيل يوم يفر المرء من أخيه بل من أبويه لأنهما أقرب من الإخوة بل من الصّاحبة، والولد لأن تعلقه بهما أشد من تعلقه بالأبوين ‏{‏لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه‏}‏ أي يشغله شأن نفسه عن شأن غيره عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه قال‏:‏ «تحشرون حفاة عراة غرلاً، فقالت امرأة أيبصر أحدنا، أو يرى بعضنا عورة بعض قال‏:‏ يا فلانة لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه» أخرجه التّرمذي وقال‏:‏ حديث حسن صحيح ولما ذكر الله تعالى حال القيامة، وأهوالها بين حال المكلفين، وأنهم على قسمين منهم السعداء والأشقياء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏38- 42‏]‏

‏{‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ‏(‏38‏)‏ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ‏(‏39‏)‏ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ‏(‏40‏)‏ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ‏(‏41‏)‏ أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ‏(‏42‏)‏‏}‏

‏{‏وجوه يومئذ مسفرة‏}‏ أي مشرقة مضيئة من أسفر الصبح إذا أضاء، وقيل مسفرة من قيام اللّيل، وقيل من أثر الوضوء، وقيل من الغبار في سبيل الله ‏{‏ضاحكة‏}‏ أي عند الفراغ من الحساب ‏{‏مستبشرة‏}‏ أي بالسرور فرحة بما تنال من كرامة الله، ورضوانه‏.‏ ثم وصف الأشقياء فقال تعالى‏:‏ ‏{‏ووجوه يومئذ عليها غبرة‏}‏ أي سواد وكآبة للهم الذي نزل بهم ‏{‏ترهقها قترة‏}‏ أي تعلوها، وتغشاها ظلمة، وكسوف وقال ابن عباس‏:‏ تغشاها ذلة والفرق بين الغبرة والقترة أن الغبرة ما كان أسفل في الأرض، والقترة ما ارتفع من الغبار فلحق بالسماء ‏{‏أولئك‏}‏ أي الذين صنع بهم هذا ‏{‏هم الكفرة الفجرة‏}‏ جميع كافر وفاجر والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه‏.‏

سورة التكوير

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 7‏]‏

‏{‏إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ‏(‏1‏)‏ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ‏(‏2‏)‏ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ‏(‏3‏)‏ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ ‏(‏4‏)‏ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ‏(‏5‏)‏ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ‏(‏6‏)‏ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ‏(‏7‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إذا الشّمس كورت‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ أظلمت، وغورت، وقيل اضمحلت، وقيل لفت كما تلف العمامة، وأصل التكوير جمع بعض الشيء إلى بعض ومعناه أن الشّمس يجمع بعضها إلى بعض، ثم تلف فإذا فعل بها ذلك ذهب ضوءها، قال ابن عباس‏:‏ يكور الله الشّمس، والقمر، والنّجوم يوم القيامة في البحر، ثم يبعث عليها ريحاً دبوراً فتضربها فتصير ناراً‏.‏ ‏(‏خ‏)‏ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «الشّمس والقمر يكوران يوم القيامة» قيل إن الشّمس، والقمر، جمادان فإلقاؤهما في النّار يكون سبباً لازدياد الحر في جهنم‏.‏ ‏{‏وإذا النّجوم انكدرت‏}‏ أي تناثرت من السماء، وسقطت على الأرض‏.‏ قال الكلبي وعطاء‏:‏ تمطر السّماء يومئذ نجوماً، فلا يبقى نجم إلا وقع ‏{‏وإذا الجبال سيرت‏}‏ أي عن وجه الأرض، فصارت هباء منثوراً‏.‏ ‏{‏وإذا العشار عطلت‏}‏ يعني النوق الحوامل التي أتى عليها عشرة أشهر من حملها، واحدتها عشراء، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع لتمام سنة، وهي أنفس مال عند العرب فإذا كان ذلك اليوم عطلت، وتركت هملاً بلا راع أهملها أهلها، وقد كانوا لازمين لأذنابها ولم يكن مال أعجب إليهم منها لما جاءهم من أهوال يوم القيامة‏.‏ ‏{‏وإذا الوحوش‏}‏ يعني من دواب البر ‏{‏حشرت‏}‏ أي جمعت يوم القيامة ليقتص لبعضها من بعض‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ حشرها موتها قال‏:‏ وحشر كل شيء موته غير الجن والإنس، فإنهما يوقفان يوم القيامة‏.‏ ‏{‏وإذا البحار سجرت‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ أوقدت فصارت ناراً تضطرم، وقيل فجر بعضها في بعض العذاب، والملح حتى صارت البحار كلها بحراً واحداً وقيل صارت مياهها من حميم أهل النّار، وقيل سجرت أي يبست، وذهب ماؤها فلم تبق فيها قطرة‏.‏

قال أبي بن كعب‏:‏ ست آيات قبل يوم القيامة، بينما النّاس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشّمس، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على الأرض، فبينما هم كذلك إذ تناثرت النّجوم فتحركت، واضطربت، وفزعت الإنس، والجن، واختلطت الدّواب، والطّير، والوحش، وماج بعضهم في بعض‏.‏ فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إذا الشّمس كورت وإذا النّجوم انكدرت وإذا الجبال سيرت وإذا العشار عطلت وإذا الوحوش حشرت وإذا البحار سجرت‏}‏ فحينئذ تقول الجن للإنس‏:‏ نحن نأتيكم بالخبر، فينطلقون إلى البحر، فإذا هو نار تأجج، فبينما هم كذلك إذ انصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى، وإلى السماء السابعة العليا، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم ريح فأماتتهم، وعن ابن عباس قال‏:‏ هي اثنتا عشرة خصلة ستة في الدنيا، وستة في الآخرة، وهي ما ذكر بعد هذه‏.‏ وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا النفوس زوجت‏}‏ روى النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب أنه سئل عن هذه الآية، فقال‏:‏ يقرن بين الرّجل الصّالح مع الرجل الصالح في الجنة، ويقرن بين الرجل السّوء مع الرجل السوء في النّار، وقيل ألحق كل امرئ بشيعته اليهود باليهود، والنصارى بالنصارى، وقيل يحشر الرجل مع صاحب عمله، وقيل زوّجت النّفوس بأعمالها، وقيل زوّجت نفوس المؤمنين بالحور العين، وقرنت نفوس الكافرين بالشّياطين، وقيل معنى زوّجت ردت الأرواح إلى الأجساد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 13‏]‏

‏{‏وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ‏(‏8‏)‏ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ‏(‏9‏)‏ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ‏(‏10‏)‏ وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ ‏(‏11‏)‏ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ‏(‏12‏)‏ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ‏(‏13‏)‏‏}‏

‏{‏وإذا الموءودة سئلت‏}‏ يعني الجارية التي دفنت، وهي حية سميت بذلك لما يطرح عليها من التراب، فيئدها، أي يثقلها حين تموت، وكانت العرب تفعل ذلك في الجاهلية‏.‏ تدفن البنات حية مخافة العار، والحاجة، وروي عن ابن عباس قال‏:‏ كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت، وكان أوان ولادتها حفرت حفيرة، فتمخضت على رأس الحفيرة فإن ولدت جارية رمت بها في الحفيرة، وإذا ولدت غلاماً حبسته، وقيل كان الرجل في الجاهلية إذا ولدت له بنت، وأراد بقاءها حية ألبسها جبة صوف، أو شعر وتركها ترعى الإبل، والغنم في البادية، وإذا أراد قتلها تركها حتى تشب، فإذا بلغت قال لأمها طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر بئراً في الصّحراء، فيبلغ بها البئر فيقول لها‏:‏ انظري فيها، فإذا نظرت دفعها من ورائها، ويهيل عليها التراب حتى تستوي بالأرض، عن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الوائدة، والموءودة في النّار» أخرجه أبو داود، وكان صعصعة بن ناجية ممن منع الوأد، ولم يئد فافتخر به الفرزدق في شعره فقال‏:‏

ومنا الذي منع الوائدات *** وأحيا الوئيد فلم توأد

‏{‏بأي ذنب قتلت‏}‏ معناه تسأل الموءودة، فيقال لها، بأي ذنب قتلت، ومعنى سؤالها لها توبيخ قاتلها‏.‏ لأنها قتلت بغير ذنب‏.‏ ‏{‏وإذا الصّحف نشرت‏}‏ يعني صحائف الأعمال تنشر للحساب ‏{‏وإذا السّماء كشطت‏}‏ أي نزعت، وطويت، وقيل قلعت كما يقلع السقف، وقيل كشفت، وأزيلت عمن فيها‏.‏ ‏{‏وإذا الجحيم سعرت‏}‏ أوقدت لأعداء الله تعالى ‏{‏وإذا الجنة أزلفت‏}‏ أي قربت لأولياء الله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏14- 22‏]‏

‏{‏عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ ‏(‏14‏)‏ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ‏(‏15‏)‏ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ‏(‏16‏)‏ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ‏(‏17‏)‏ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ‏(‏18‏)‏ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ‏(‏19‏)‏ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ‏(‏20‏)‏ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ‏(‏21‏)‏ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ‏(‏22‏)‏‏}‏

‏{‏علمت نفس ما أحضرت‏}‏ يعني عند ذلك تعمل كل نفس ما أحضرت من خير، أو شر وهذا جواب لقوله إذا الشّمس كورت إلى هنا‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فلا أقسم‏}‏ لا زائدة والمعنى أقسم، وقد تقدم ذلك في قوله ‏{‏لا أقسم بيوم القيامة‏}‏ ‏{‏بالخنس الجوار الكنس‏}‏ يعني النّجوم تبدو بالليل، فتظهر، وتخنس بالنهار تحت نور الشّمس، ونحو هذا المعنى روي عن علي بن أبي طالب، وقيل هي النّجوم الخمسة زحل، والمشتري، والمريخ، والزهرة، وعطارد، تخنس في مجاريها، أي ترجع وراءها في الفلك، وتنكس، أي تستر وقت اختفائها، وقيل إنها تخنس، أي تتأخر عن مطالعها، والكنس معناه أنها لا ترى بالنهار، وقيل هي الظباء، وهي رواية عن ابن عباس، وأصل الخنوس الرّجوع إلى وراء، والكنوس هو أن تأوي إلى كناسها، وهو الموضع الذي يأوي إليه الوحوش‏.‏ ‏{‏واللّيل إذا عسعس‏}‏ أي أقبل بظلامه وقيل أدبر، والعسعسة رقة الظّلام، وذلك يكون في طرف الليل‏.‏ ‏{‏والصّبح إذا تنفس‏}‏ أي أقبل وبدا أوله وقيل أسفر‏.‏

وفي تنفسه قولان أحدهما‏:‏ أن في إقبال الصبح روحاً، ونسيماً فجعل ذلك نفساً على المجاز الثاني، أنه شبه الليل بالمكروب المحزون، فإذا تنفس وجد راحة، فكأنه تخلص من الحزن، فعبر عنه بالتنفس، فهو استعارة لطيفة، ولما ذكر المقسم به أتبعه بالمقسم عليه فقال تعالى‏:‏ ‏{‏إنه‏}‏ يعني القرآن ‏{‏لقول رسول كريم‏}‏ يعني جبريل عليه الصلاة والسلام والمعنى أن جبريل نزل به عن الله عز وجل‏:‏ ‏{‏ذي قوة‏}‏ وكان من قوته أنه اقتلع قرى قوم لوط الأربع من الماء الأسود، وحملها على جناحه، فرفعها إلى السماء، ثم قلبها، وأنه أبصر إبليس يكلم عيسى عليه الصلاة والسلام على بعض عقاب الأرض المقدسة، فنفحه بجناحه نفحة ألقاه إلى أقصى جبل بالهند، وأنه صاح صيحة بثمود، فأصبحوا جاثمين، وأنه يهبط من السّماء إلى الأرض، ثم يصعد في أسرع من رد الطّرف ‏{‏عند ذي العرش مكين‏}‏ أي في المنزلة والجاه ‏{‏مطاع ثم‏}‏ أي في السموات تطيعه الملائكة، ومن طاعة الملائكة له أنهم فتحوا أبواب السّموات ليلة المعراج بقوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفتح خزنة الجنة أبوابها بقوله ‏{‏أمين‏}‏ يعني على وحي الله تعالى إلى أنبيائه ‏{‏وما صاحبكم‏}‏ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم يخاطب كفار مكة ‏{‏بمجنون‏}‏ وهذا أيضاً من جواب القسم أقسم على أن القرآن نزل به جبريل وأن محمداً صلى الله عليه وسلم ليس بمجنون كما يقول أهل مكة، وذلك أنهم قالوا إنه مجنون، وأن ما يقوله ليس هو إلا من عند نفسه فنفى الله عنه الجنون، وكون القرآن من عند نفسه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏23- 29‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ رَآَهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ‏(‏23‏)‏ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ‏(‏24‏)‏ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ‏(‏25‏)‏ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ‏(‏26‏)‏ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ‏(‏27‏)‏ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ‏(‏28‏)‏ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

‏{‏ولقد رآه‏}‏ يعني رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه الصلاة والسلام على صورته التي خلق فيها ‏{‏بالأفق المبين‏}‏ يعني بالأفق الأعلى من ناحية المشرق حيث تطلع الشّمس، وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه الصّلاة والسّلام «إني أحب أن أراك في صورتك التي تكون فيها في السّماء قال‏:‏ لن تقوى على ذلك قال، بلى قال فأين تشاء أن أتخيل لك قال بالأبطح، قال لا يسعني ذلك، قال‏:‏ فبمنى قال لا يسعني ذلك قال فبعرفات، قال‏:‏ لا يسعني ذلك قال بحراء قال إن يسعني فواعده فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت‏.‏ فإذا هو بجبريل قد أقبل من حيال عرفات بخشخشة، وكلكله قد ملأ ما بين المشرق، والمغرب، ورأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم خر مغشياً عليه، فتحول جبريل عن صورته، وضمه إلى صدره، وقال‏:‏ يا محمد لا تخف، فكيف لو رأيت إسرافيل، ورأسه تحت العرش، ورجلاه في تخوم الأرض السابعة، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحياناً من مخافة الله جلّ جلاله وعلا علاؤه وشأنه حتى يصير كالصّعو، يعني العصفور حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته» ‏{‏وما هو‏}‏ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ‏{‏على الغيب‏}‏ أي الوحي وخبر السّماء، وما اطلع عليه مما كان غائباً عن علمه من القصص والأنباء‏.‏ ‏{‏بضنين‏}‏ قرأ بالظاء، ومعناه بمتهم والمظنة التهمة، وقرئ بضنين بالضاد، ومعناه ببخيل يقول إنه يأتيه علم الغيب، ولا يبخل به عليكم، ويخبركم به، ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده حتى يأخذ عليه حلواناً، وهو أجرة الكاهن، وقراءة الظاء أولى لأنهم لم يبخلوه، وإنما اتهموه، فنفى الله عنه تلك التهمة، ولو أراد البخل لقال وما هو بالغيب‏.‏ ‏{‏وما هو‏}‏ يعني القرآن ‏{‏بقول شيطان رجيم‏}‏ يعني إن القرآن ليس بشعر، ولا كهانة كما قالت قريش، وقيل كانوا يقولون إن شيطاناً يلقيه على لسانه، فنفى الله ذلك عنه، ‏{‏فأين تذهبون‏}‏ أي فأين تعدلون عن القرآن، وفيه الشفاء، والهدى، والبيان، وقيل معناه أي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم‏.‏ ‏{‏إن هو‏}‏ يعني ما في القرآن ‏{‏إلا ذكر للعالمين‏}‏ أي موعظة للخلق أجمعين ‏{‏لمن شاء منكم أن يستقيم‏}‏ أي يتبع الحق، ويقيم عليه، وينتفع به ثم بين أن مشيئة العبد موقوفة بمشيئته فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين‏}‏ أعلمهم الله أن المشيئة في التوفيق للاستقامة إليه، وأنهم لا يقدرون على ذلك إلا بمشيئة الله، وتوفيقه، وفيه إعلام أن أحداً لا يعمل خيراً إلا بتوفيق الله تعالى؛ ولا شراً إلا بخذلانه، ومشيئته والله تعالى أعلم‏.‏

سورة الانفطار

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 6‏]‏

‏{‏إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ‏(‏1‏)‏ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ‏(‏2‏)‏ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ‏(‏3‏)‏ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ‏(‏4‏)‏ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ‏(‏5‏)‏ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ‏(‏6‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إذا السّماء انفطرت‏}‏ أي انشقت ‏{‏وإذا الكواكب انتثرت‏}‏ أي تساقطت ‏{‏وإذا البحار فجرت‏}‏ أي فجر بعضها في بعض واختلط العذب بالملح، فصارت بحراً واحداً، وقيل معنى فجرت فاضت‏.‏ ‏{‏وإذا القبور بعثرت‏}‏ أي بحثرت، وقلب ترابها وبعث من فيها منه الموتى أحياء‏.‏ ‏{‏علمت نفس ما قدمت وأخرت‏}‏ يعني علمت في ذلك اليوم ما قدمت من عمل صالح، أو سيئ، وأخرت بعدها من حسنة أو سيئة، وقيل ما قدمت من الصّدقات وأخرت من الزّكوات، وهذه أحوال يوم القيامة‏.‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم‏}‏ أي ما خدعك، وسول لك الباطل حتى صنعت ما صنعت، وضيعت ما أوجب عليك، والمعنى ماذا أمنك من عقابه، قيل نزلت في الوليد بن المغيرة، وقيل في أبي الشّريق، واسمه أسيد بن كلدة، وقيل كلدة بن خلف، وكان كافراً ضرب النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعاقبه الله وأنزل الله هذه الآية، وقيل الآية عامة في كل كافر وعاص، يقول ما الذي غرك، قيل غره حمقه، وجهله وقيل تسويل الشّيطان له، وقيل غره عفو الله عنه حيث لم يعاجله بالعقوبة في أول مرة بربك الكريم، أي المتجاوز عنك، فهو بكرمه لك لم يعاجلك بعقوبته بل بسط لك المدة لرجاء التّوبة‏.‏ قال ابن مسعود «ما منكم من أحد إلا سيخلو الله عز وجل به يوم القيامة‏.‏ فيقول‏:‏ يا ابن آدم ما غرك بي يا ابن آدم‏!‏ ماذا عملت‏؟‏ فيما علمت يا ابن آدم‏؟‏ ماذا أجبت المرسلين»، وقيل للفضيل بن عياض لو أقامك الله يوم القيامة فيقول لك يا ابن آدم ما غرك بربك الكريم؛ ماذا كنت تقول‏.‏ قال‏:‏ أقول غرني ستورك المرخاة، وقال يحيى بن معاذ‏:‏ لو أقامني بين يديه، وقال ما غرك بي أقول غرني بربك بي سالفاً وآنفاً، وقال أبو بكر الوراق لو قال لي ما غرك بربك الكريم لقلت غرني كرم الكريم، وقال بعض أهل الإشارة‏.‏ إنما قال بربك الكريم دون سائر أسمائه، وصفاته كأنه لقنه حجته في الإجابة حتى يقول غرني كرم الكريم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 15‏]‏

‏{‏الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ‏(‏7‏)‏ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ‏(‏8‏)‏ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ‏(‏9‏)‏ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ‏(‏10‏)‏ كِرَامًا كَاتِبِينَ ‏(‏11‏)‏ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ‏(‏12‏)‏ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ‏(‏13‏)‏ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ‏(‏14‏)‏ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ ‏(‏15‏)‏‏}‏

‏{‏الذي خلقك‏}‏ أي أوجدك من العدم إلى الوجود ‏{‏فسواك‏}‏ أي جعلك سوياً سالم الأعضاء، تسمع وتبصر ‏{‏فعدلك‏}‏ أي عدل خلقك في مناسبة الأعضاء فلم يجعل بعضها أطول من بعض، وقيل معناه جعلك قائماً معتدلاً حسن الصّورة، ولم يجعلك كالبهيمة المنحنية ‏{‏في أي صورة ما شاء ركبك‏}‏ أي في أي شبه من أب أو أم أو خال أو عم، وجاء في الحديث «إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضر كل عرق بينه وبين آدم ثم قرأ‏:‏ ‏{‏في أي صورة ما شاء ركبك‏}‏»، وقيل معناه إن شاء ركبك في صورة إنسان، وإن شاء في صورة دابة أو حيوان، وقيل في أي صورة ما شاء ركبك من الصور المختلفة بحسب الطول، والقصر، والحسن، والقبح والذكورة، والأنوثة، وفي هذه دلالة على قدرة الصانع المختار القادر‏.‏ وذلك أنه لما اختلفت الهيئات، والصفات دل ذلك على كمال القدرة، واتساع الصنعة، وأن المدبر المختار هو الله تعالى‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏كلا بل تكذبون بالدين‏}‏ أي بيوم الحساب والجزاء ‏{‏وإن عليكم لحافظين‏}‏ يعني رقباء من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم ‏{‏كراماً‏}‏ أي على الله ‏{‏كاتبين‏}‏ أي يكتبون أقوالكم وأعمالكم ‏{‏يعلمون ما تفعلون‏}‏ يعني من خير أو شر‏.‏ قوله عز وجل ‏{‏إن الأبرار‏}‏ يعني الذين بروا وصدقوا في إيمانهم بأداء ما افترض الله عليهم، واجتناب معاصيه‏.‏ ‏{‏لفي نعيم‏}‏ يعني نعيم الجنة ‏{‏وإن الفجار لفي جحيم‏}‏ روي أن سليمان بن عبد الملك قال‏:‏ لأبي حازم المزني ليت شعري ما لنا عند الله، فقال له‏:‏ اعرض عملك على كتاب الله، فإنك تعلم ما لك عند الله، قال‏:‏ أين أجد ذلك في كتاب الله‏؟‏ قال‏:‏ عند قوله ‏{‏إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم‏}‏ قال سليمان فأين رحمة الله قال قريب من المحسنين ‏{‏يصلونها يوم الدين‏}‏ يعني يوم القيامة لأنه يوم الجزاء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏16- 19‏]‏

‏{‏وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ‏(‏16‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ‏(‏17‏)‏ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ‏(‏18‏)‏ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ‏(‏19‏)‏‏}‏

‏{‏وما هم عنها بغائبين‏}‏ أي عن النّار ثم عظم شأن ذلك اليوم فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وما أدراك ما يوم الدين‏}‏ قيل المخاطب بذلك هو الكافر، وهو على وجه الزّجر له، وقيل هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ والمعنى أي شيء أعلمك به لو لم نعرفك أحواله ‏{‏ثم ما أدراك ما يوم الدين‏}‏ التكرير لتعظيم ذلك اليوم، وتفخيم شأنه ‏{‏يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً‏}‏ أي لا تملك نفس كافرة شيئاً من المنفعة ‏{‏والأمر يومئذ لله‏}‏ يعني أنه لم يملك الله في ذلك أحداً شيئاً كما ملكهم في الدنيا، والله أعلم‏.‏

سورة المطففين

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 2‏]‏

‏{‏وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ‏(‏1‏)‏ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ‏(‏2‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ويل‏}‏ أي قبح وهي كلمة تذكر عند وقوع البلاء، يقال ويل له وويل عليه، وقيل ويل اسم واد في جهنم ‏{‏للمطففين‏}‏ يعني الذين ينقصون المكيال والميزان لأنه لا يكاد المطفف يسرق في الكيل والوزن، إلا الشيء اليسير الطّفيف قال ابن عباس‏:‏ لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث النّاس كيلاً‏.‏ فأنزل الله عز وجل‏:‏ ‏{‏ويل للمطففين‏}‏ فأحسنوا الكيل، وقيل لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وبها رجل يقال له أبو جهينة، ومعه صاعان يكيل بأحدهما، ويكتال بالآخر، فأنزل الله هذه الآية وجعل الويل للمطففين ثم بين من هم‏.‏ فقال تعالى‏:‏ ‏{‏الذين إذا اكتالوا على النّاس يستوفون‏}‏ يعني أنهم إذا اكتالوا من النّاس، ومن وعلى يتعاقبان، وقيل معناه إذا اكتالوا من النّاس، أي اشتروا شيئاً استوفوا عليهم لأنفسهم الكيل والوزن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏3- 7‏]‏

‏{‏وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ‏(‏3‏)‏ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ‏(‏4‏)‏ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ‏(‏5‏)‏ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏6‏)‏ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ‏(‏7‏)‏‏}‏

‏{‏وإذا كالوهم أو وزنوهم‏}‏ يعني وإذا كالوا لهم أو وزنوا لهم للناس كما يقال نصحتك ونصحت لك‏.‏ ‏{‏يخسرون‏}‏ أي ينقصون الكيل والوزن وهذا الوعيد يلحق من يأخذ لنفسه زائداً ويدفع إلى غيره ناقصاً، ويتناول الوعيد القليل والكثير لكن إذا لم يتب منه فإن تاب منه ورد الحقوق إلى أهلها قبلت توبته ومن فعل ذلك، وأصر عليه كان مصراً على كبيرة من الكبائر، وذلك لأن عامة الخلق محتاجون إلى المعاملات وهي مبنية على أمر الكيل والوزن والذرع، فلهذا السبب عظم الله أمر الكيل والوزن، قال نافع‏:‏ كان ابن عمر يمر بالبائع فيقول له اتق الله أوف الكيل والوزن، فإن المطففين يوقفون يوم القيامة حتى يلجمهم العرق، وقال قتادة‏:‏ أوف يا ابن آدم كما تحب أن يوفى لك، واعدل كما تحب أن يعدل لك، قال الفضيل‏:‏ بخس الميزان سواد يوم القيامة‏.‏ ‏{‏ألا يظن‏}‏ أي ألا يعلم ويستيقن ‏{‏أولئك‏}‏ أي الذين يفعلون هذا الفعل، وهم المطففون ‏{‏أنهم مبعوثون ليوم عظيم‏}‏ يعني يوم القيامة ‏{‏يوم يقوم النّاس‏}‏ يعني من قبورهم ‏{‏لرب العالمين‏}‏ أي لأمره وجزائه وحسابه ‏(‏ق‏)‏ عن نافع «أن ابن عمر تلا ‏{‏ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم النّاس لرب العالمين‏}‏، قال يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه»، وروي مرفوعاً عن المقداد قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «تدنو الشّمس من رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى تكون منهم كمقدار ميل» زاد التّرمذي أو ميلين «قال سليم بن عامر والله ما أدري ما يعني بالميل مسافة الأرض، أو الميل ما تكتحل به العين قال فيكون النّاس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حقويه ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه إلى فيه» قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏كلا‏}‏ قيل إنه ردع وتنبيه أي ليس الأمر على ما هم عليه من بخس الكيل والميزان، فليرتدعوا عنه فعلى هذا تم الكلام هنا، وقيل كلا ابتداء يتصل بما بعده على معنى حقاً ‏{‏إن كتاب الفجار‏}‏ أي الذي كتبت فيه أعمالهم ‏{‏لفي سجين‏}‏ قال ابن عمر هي الأرض السابعة السفلى، وفيها أرواح الكفار وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن البراء قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «سجين أسفل سبع أرضين وعليون في السماء السابعة تحت العرش» وقال شمر بن عطية‏:‏ جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال‏:‏ أخبرني عن قول الله عز وجل ‏{‏إن كتاب الفجار لفي سجين‏}‏ قال إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها ثم يهبط بها إلى الأرض، فتأبى أن تقبلها فتدخل تحت سبع أرضين حتى ينتهى بها إلى سجين، وهو موضع جند إبليس فيخرج لها من سجين رق، فليتم ويختم ويوضع تحت جند إبليس لمعرفتها الهلاك بحساب يوم القيامة، وقيل هي صخرة تحت الأرض السابعة السفلى خضراء خضرة السماء منها فتقلب، ويجعل كتاب الفجار تحتها، قال وهب‏:‏ هي آخر سلطان إبليس وجاء في الحديث

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 14‏]‏

‏{‏وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ‏(‏8‏)‏ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ‏(‏9‏)‏ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ‏(‏10‏)‏ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ‏(‏11‏)‏ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ‏(‏12‏)‏ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏13‏)‏ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏14‏)‏‏}‏

‏{‏وما أدراك ما سجين‏}‏ أي ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت، ولا قومك، وقيل إنما قال ذلك تعظيماً لأمر سجين ‏{‏كتاب مرقوم‏}‏ ليس هذا تفسيراً للسجن وإنما هو بيان للكتاب المذكور في قوله ‏{‏إن كتاب الفجار‏}‏ والمعنى إن كتاب الفجار مرقوم أي مكتوب فيه أعمالهم مثبتة عليهم كالرقم في الثّوب لا ينسى ولا يمحى حتى يحاسبوا به، ويجازوا عليه، وقيل مرقوم رقم عليه بشر كأنه علم بعلامة يعرف بها أنه كافر، وقيل مرقوم أي مختوم وهو بلغة حمير ‏{‏ويل يومئذ للمكذبين‏}‏ قيل إنه متصل بقوله يوم يقوم النّاس لرب العالمين ومعنى الآية ويل لمن كذب بهذا اليوم، وقيل معناه مرقوم بالشّقاوة، ثم قال ويل يومئذ للمكذبين أي في ذلك اليوم من ذلك الكتاب المرقوم عليهم بالشقاوة ‏{‏الذين يكذبون بيوم الدين‏}‏ أي بيوم القيامة لأنه يوم الجزاء ‏{‏وما يكذب به‏}‏ أي بيوم القيامة ‏{‏إلا كل معتد‏}‏ أي متجاوز عن نهج الحق ‏{‏أثيم‏}‏ هو مبالغة في الآثم وهو المرتكب الإثم والمعاصي ‏{‏إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين‏}‏ أي أكاذيب الأولين‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏كلا‏}‏ أي لا يؤمن ثم استأنف فقال ‏{‏بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون‏}‏ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن العبد إن أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي قال الله‏:‏ ‏{‏بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون‏}‏» أخرجه التّرمذي وقال‏:‏ حديث حسن صحيح وأصل الرّان الغلبة ومعنى الآية أن الذّنوب والمعاصي غلبت على قلوبهم وأحاطت بها، وقيل هو الذنب على الذّنب حتى يميت القلب وقال ابن عباس‏:‏ ران على قلوبهم طبع عليها، وقيل الرين أن يسود القلب من الذّنوب، والطّبع أن يطبع على القلب وهو أشد من الرّين والإقفال أشد من الطّبع وقيل الرّين التغطية، والمعنى أنه يغشى القلب شيء كالصدى فيغطيه فعند ذلك يموت القلب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 20‏]‏

‏{‏كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ‏(‏15‏)‏ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ‏(‏16‏)‏ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ‏(‏17‏)‏ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ‏(‏18‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ‏(‏19‏)‏ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ‏(‏20‏)‏‏}‏

‏{‏كلا‏}‏ قال ابن عباس يريد لا يصدقون وقيل معناه ليس الأمر كما يقولون إن لهم في الاخرة خيراً ثم استأنف فقال تعالى‏:‏ ‏{‏إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون‏}‏ قيل عن كرامته ورحمته ممنوعون، وقيل إن الله لا ينظر إليهم ولا يزكيهم وهذا التّفسير فيه ضعف أما حمله على منع الكرامة والرّحمة فهو عدول عن الظّاهر بغير دليل، وكذا الوجه الثاني فإن من حجب عن الله فإن الله لا ينظر إليه نظر رحمة، ولا يزكيه والذي ذهب إليه أكثر المفسرين أنهم محجوبون عن رؤية الله، وهذا هو الصّحيح واحتج بهذه الآية من أثبت الرّؤية للمؤمنين قالوا‏:‏ لولا ذلك لم يكن للتّخصيص فائدة، ووجه آخر وهو أنه تعالى ذكر الحجاب في معرض الوعيد والتّهديد للكفار، وما يكون وعيداً وتهديداً للكفار لا يجوز حصوله في حق المؤمنين، فوجب أن لا يحصل هذا الحجاب في حق المؤمنين قال الحسن‏:‏ لو عمل الزّاهدون والعابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد لزهقت أنفسهم في الدّنيا‏.‏

وقيل كما حجبهم في الدّنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته وسئل مالك عن هذه الآية، فقال‏:‏ لما حجب الله أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه، وقال الشافعي في قوله ‏{‏كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون‏}‏ دلالة على أن أولياء الله يرون الله جلّ جلاله وعنه كما حجب قوماً بالسّخط دل على أن قوماً يرونه بالرضا، ثم أخبر أن الكفار مع كونهم محجوبون عن الله يدخلون النّار‏.‏ فقال عز من قائل ‏{‏ثم إنهم لصالوا الجحيم‏}‏ أي لداخلو النّار ‏{‏ثم يقال‏}‏ أي تقول لهم الخزنة ‏{‏هذا‏}‏ أي هذا العذاب ‏{‏الذي كنتم به تكذبون‏}‏ يعني في الدنيا ‏{‏كلا‏}‏ أي ليس الأمر كما يتوهمه الفجار من إنكار البعث، وقيل كلا أي لا يؤمنون بالعذاب الذي يصلونه، ثم بين محل كتاب الأبرار فقال تعالى‏:‏ ‏{‏إن كتاب الأبرار لفي عليين‏}‏ جمع علي من العلو، وقيل هو موضوع على صفة الجمع لا واحد له من لفظه وتقدم من حديث البراء المرفوع إن عليين في السّماء السابعة تحت العرش وقال ابن عباس‏:‏ هو لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيه، وقيل هو قائمة العرش اليمنى وقال ابن عباس في رواية عنه هي الجنة، وقيل هي سدرة المنتهى، وقيل معناه علو بعد علو وشرف بعد شرف، وقيل هي مراتب عالية محفوفة بالجلالة وقد عظّمها الله وأعلاها‏.‏ ‏{‏وما أدراك ما عليون‏}‏ تنبيهاً له على عظم شأنه ‏{‏كتاب مرقوم‏}‏ ليس تفسير العليين، والمعنى أن كتاب الأبرار كتاب مرقوم في عليين فيه ما أعد لهم في الآخرة من الكرامة، وقيل مكتوب فيه أعمالهم وعليون محل الملائكة وضده سجين، وهو محل إبليس وجنوده‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏21- 27‏]‏

‏{‏يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ‏(‏21‏)‏ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ‏(‏22‏)‏ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ‏(‏23‏)‏ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ‏(‏24‏)‏ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ‏(‏25‏)‏ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ‏(‏26‏)‏ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ‏(‏27‏)‏‏}‏

‏{‏يشهده المقربون‏}‏ يعني الملائكة الذين هم في عليين يشهدون، أي يحضرون ذلك المكتوب ومن قال إنه كتاب الأعمال قال‏:‏ يشهد ذلك الكتاب إذا صعد به إلى عليين المقربون من الملائكة لكرامة المؤمن‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الأبرار‏}‏ يعني المطيعين لله ‏{‏لفي نعيم‏}‏ يعني نعيم الجنة ‏{‏على الأرائك‏}‏ جمع أريكة وهي الأسرة في الحجال ‏{‏ينظرون‏}‏ أي إلى ما أعد الله لهم من نعيم الجنة، وقيل ينظرون إلى أعدائهم كيف يعذبون في النّار، وقيل ينظرون إلى ربهم سبحانه وتعالى ‏{‏تعرف في وجوههم نضرة النعيم‏}‏ يعني أنك إذا رأيتهم تعرف أنهم من أهل النعمة لما ترى على وجوههم من النّور والحسن والبياض، قيل النضرة في الوجه والسرور في القلب ‏{‏يسقون من رحيق‏}‏ يعني الخمر الصّافية الطّيبة البيضاء ‏{‏مختوم‏}‏ يعني ختم على ذلك الشراب ومنع من أن تمسه الأيدي إلى أن يفك ختمه الأبرار‏.‏

فإن قلت قد قال في سورة محمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏وأنهار من خمر‏}‏ والنهر لا يختم عليه فكيف طريق الجمع بين الآيتين، قلت يحتمل أن يكون المذكور في هذه الآية‏.‏ في أوان مختوم عليها، وهي غير تلك الخمر التي في الأنهار، وإنما ختم عليها لشرفها ونفاستها ‏{‏ختامه مسك‏}‏ أي طينته التي ختم عليه بها مسك بخلاف خمر الدّنيا فإن ختامها طين وقال ابن مسعود مختوم أي ممزوج ختامه أي آخر طعمه، وعاقبته مسك، وقيل يمزج لهم بالكافور ويختم لهم بالمسك ‏{‏وفي ذلك فليتنافس المتنافسون‏}‏ أي فليرغب الرّاغبون بالمبادرة إلى طاعة الله عز وجل، ليحصل لهم هذا الشّراب المختوم بالمسك وقيل أصله من الشيء النّفيس الذي تحرص عليه نفوس الناس، ويريده كل أحد لنفسه وينفس به على غيره أي يضن ويبخل ‏{‏ومزاجه من تسنيم‏}‏ أي شراب ينصب عليهم من غرفهم ومنازلهم وقيل يجري في الهواء مسنماً فيصب في أواني أهل الجنة على قدر ملئها فإذا امتلأت أمسك وأصل هذه الكلمة من العلو ومنه سنام البعير لأنه أعلاه، وقيل هو شراب اسمه تسنيم وهو من أشرف شراب أهل الجنة وقال ابن مسعود وابن عباس‏:‏ هو خالص للمقربين يشربونه صرفاً ويمزج لسائر أهل الجنة، وسئل ابن عباس عن قوله من تسنيم فقال‏:‏ هذا مما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين‏}‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏28- 34‏]‏

‏{‏عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ‏(‏28‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ ‏(‏29‏)‏ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ‏(‏30‏)‏ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ‏(‏31‏)‏ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ ‏(‏32‏)‏ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ‏(‏33‏)‏ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ‏(‏34‏)‏‏}‏

‏{‏عيناً يشرب بها‏}‏ أي منها وقيل يشربها ‏{‏المقربون‏}‏ أي صرفاً وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إن الذين أجرموا‏}‏ أي أشركوا يعني كفار قريش أبا جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأصحابهم من مترفي أهل مكة ‏{‏كانوا من الذين آمنوا‏}‏ أي من عمار وخباب وصهيب وبلال وأصحابهم من فقراء المؤمنين ‏{‏يضحكون‏}‏ أي منهم ويستهزئون بهم ‏{‏وإذا مروا بهم‏}‏ يعني مر المؤمنون الفقراء بالكفار الأغنياء ‏{‏يتغامزون‏}‏ يعني يتغامز الكفار والغمز الإشارة بالجفن والحاجب أي يشيرون إليها بالأعين استهزاء بهم ‏{‏وإذا انقلبوا إلى أهلهم‏}‏ يعني الكفار ‏{‏انقلبوا فكهين‏}‏ أي معجبين بما هم فيه، وقيل ينقلبون بذكرهم كأنهم يتفكهون بحديثهم ‏{‏وإذا رأوهم‏}‏ يعني رأوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏قالوا إن هؤلاء لضالون‏}‏ أي هم في ضلال يأتون محمداً ويرون أنهم على شيء‏.‏ قال الله عز وجل‏:‏ ‏{‏وما أرسلوا‏}‏ يعني المشركين ‏{‏عليهم‏}‏ يعني على المؤمنين ‏{‏حافظين‏}‏ أي لأعمالهم والمعنى أنهم لم يوكلوا بحفظ أعمالهم قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فاليوم‏}‏ يعني في الآخرة ‏{‏الذين آمنوا من الكفار يضحكون‏}‏ وسبب هذا الضحك أن الكفار لما كانوا في الدّنيا يضحكون من المؤمنين لما هم فيه من الشدة والبلاء فلما أفضوا إلى الآخرة انعكس ذلك الأمر فصار المؤمنون في السرور والنّعيم وصار الكفار في العذاب والبلاء، فضحك المؤمنون من الكافرين لما رأوا حالهم وقال أبو صالح‏:‏ تفتح للكافرين أبواب النّار وهم فيها ويقال لهم اخرجوا فإذا انتهوا إليها أغلقت دونهم فيفعل ذلك بهم مراراً والمؤمنون ينظرون إليهم ويضحكون منهم وقال كعب بين الجنة والنّار كوى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدوه في الدّنيا من الكفار اطلع عليه من تلك الكوى وهو يعذب فيضحك منه فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏35- 36‏]‏

‏{‏عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ‏(‏35‏)‏ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ‏(‏36‏)‏‏}‏

‏{‏على الأرائك‏}‏ جمع أريكة وهو السرير ويتخذ في الحجلة وهي الكلة يزين بها البيت، وأرائك الجنة من الدر والياقوت ‏{‏ينظرون‏}‏ يعني إليهم وهم في النّار يعذبون قال الله تعالى ‏{‏هل ثُوِّبَ الكفار‏}‏ أي جوزي الكفار ‏{‏ما كانوا يفعلون‏}‏ أي بالمؤمنين من الاستهزاء والضحك وهذا الاستفهام بمعنى التقرير، وثوب، وأثيب بمعنى، قال أوس‏:‏

سأجزيك أو يجزيك عني مُثَوِّبٌ *** وحسبك أن يثنى عليك وتحمدي

والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

سورة الانشقاق

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 7‏]‏

‏{‏إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ‏(‏1‏)‏ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ‏(‏2‏)‏ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ‏(‏3‏)‏ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ‏(‏4‏)‏ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ‏(‏5‏)‏ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ‏(‏6‏)‏ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ‏(‏7‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إذا السّماء انشقت‏}‏ يعني عند قيام السّاعة وهي من علاماتها ‏{‏وأذنت لربها‏}‏ أي سمعت أمر ربها بالانشقاق، وأطاعته من الأذن وهو الاستماع ‏{‏وحقت‏}‏ أي حق لها أن تطيع أمر ربها ‏{‏وإذا الأرض مدت‏}‏ يعني مد الأديم العكاظي وزيد في سعتها، وقيل سويت فلا يبقى فيها بناء ولا جبل ‏{‏وألقت ما فيها‏}‏ أي أخرجت ما في بطنها من الموتى والكنوز ‏{‏وتخلت‏}‏ أي من ذلك الذي كان في بطنها من الموتى والكنوز ‏{‏وأذنت لربها وحقت‏}‏ واختلفوا في جواب إذا فقيل جوابه محذوف تقديره إذا كان هذه الأشياء يرى الإنسان الثواب أو العقاب، وقيل جوابه يا أيّها الإنسان إنك كادح والمعنى إذا انشقت السّماء لقي كل كادح ما عمله وقيل جوابه وأذنت وحينئذ تكون الواو زائدة ‏{‏يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً‏}‏ أي ساع إليه في عملك سعياً والكدح عمل الإنسان وجهده في الأمرين الخير والشّر، وقيل معناه عامل لربك عملاً وقيل معناه إنك كادح في لقاء ربك وهو الموت، والمعنى أن هذا الكدح يستمر بك إلى الموت، وقيل معناه إنك تكدح في دنياك كدحاً تصير به إلى ربك‏.‏ ‏{‏فملاقيه‏}‏ أي فملاق جزاء عملك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 17‏]‏

‏{‏فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ‏(‏8‏)‏ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ‏(‏9‏)‏ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ‏(‏10‏)‏ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ‏(‏11‏)‏ وَيَصْلَى سَعِيرًا ‏(‏12‏)‏ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ‏(‏13‏)‏ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ‏(‏14‏)‏ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ‏(‏15‏)‏ فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ‏(‏16‏)‏ وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ‏(‏17‏)‏‏}‏

‏{‏فسوف يحاسب حساباً يسيراً‏}‏ سوف من الله واجب والحساب اليسير هو أن تعرض عليه أعماله، فيعرف بالطاعة، والمعصية ثم يثاب على الطاعة، ويتجاوز له عن المعصية فهذا هو الحساب اليسير لأنه لا شدة فيه على صاحبه، ولا مناقشة ولا يقال له لم فعلت هذا ولا يطالب بالعذر فيه، ولا الحجة عليه فإنه متى طولب بذلك لم يجد عذراً، ولا حجة فيفتضح ‏(‏ق‏)‏ عن ابن أبي مليكة أن عائشة كانت لا تسمع شيئاً لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ من حوسب عذب قال‏:‏ فقلت، أوليس يقول الله عز وجل فسوف يحاسب حساباً يسيراً قالت فقال إنما ذلك العرض ولكن من نوقش الحساب عذب‏.‏ ‏{‏وينقلب إلى أهله‏}‏ يعني في الجنة من الحور العين والآدميات ‏{‏مسروراً‏}‏ أي بما أوتي من الخير والكرامة ‏{‏وأما من أوتي كتابه وراء ظهره‏}‏ يعني أنه تغل يده اليمنى إلى عنقه، وتجعل يده اليسرى وراء ظهره، فيعطى كتابه بشماله من وراء ظهره، وقيل تخلع يده الشّمال فتخرج من وراء ظهره فيعطي بها كتابه ‏{‏فسوف يدعوا ثبوراً‏}‏ يعني عند إعطائه كتابه بشماله من وراء ظهره يعلم أنه من أهل النّار فيدعو بالويل والهلاك، فيقول يا ويلاه يا ثبوراه ‏{‏ويصلى سعيراً‏}‏ أي ويقاسي التهاب النّار وحرها ‏{‏إنه كان في أهله‏}‏ يعني في الدنيا ‏{‏مسروراً‏}‏ يعني باتباع هواه وركوب شهواته ‏{‏إنه ظن أن لن يحور‏}‏ أي لن يرجع إلينا ولن يبعث والحور الرجوع ‏{‏بلى‏}‏ ليس الأمر كما ظن بل يحور إلينا، ويبعث ويحاسب ‏{‏إن ربه كان به بصيراً‏}‏ أي من يوم خلقه إلى أن يبعث قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فلا أقسم بالشفق‏}‏ تقدم الكلام ‏{‏لا أقسم‏}‏ في سورة القيامة‏.‏

وأما الشّفق فقال مجاهد‏:‏ هو النهار كله وحجته في ذلك أنه عطف عليه فيجب أن يكون المذكور أولاً هو النهار فعلى هذا الوجه يكون القسم باللّيل والنهار اللذين فيهما معاش العالم وسكونه، وقيل هو ما بقي من النّهار وقال ابن عباس، وأكثر المفسرين‏:‏ هو الحمرة التي تبقى في الأفق بعد غروب الشّمس، وهو مذهب عامة العلماء، وقيل هو البياض الذي يعقب تلك الحمرة وهو مذهب أبي حنيفة ‏{‏واللّيل وما وسق‏}‏ أي جمع وضم ما كان منتشراً بالنهار من الخلق والدواب والهوام وذلك أن اللّيل إذا أقبل أوى كل شيء إلى مأواه، وقيل وما عمل فيه ويحتمل أن يكون ذلك تهجد العباد، فيجوز أن يقسم به‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏18- 21‏]‏

‏{‏وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ ‏(‏18‏)‏ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ‏(‏19‏)‏ فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏20‏)‏ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآَنُ لَا يَسْجُدُونَ ‏(‏21‏)‏‏}‏

‏{‏والقمر إذا اتسق‏}‏ أي اجتمع وتم نوره وذلك في الأيام البيض، وقيل استدار واستوى، ولما ذكر المقسم به أتبعه بالمقسم عليه فقال تعالى ‏{‏لتركبن‏}‏ قرئ بفتح الباء وهو خطاب الواحد والمعنى لتركبن يا محمد ‏{‏طبقاً عن طبق‏}‏ يعني سماء بعد سماء وقد فعل الله ذلك معه ليلة أسري به، فأصعده سماء بعد سماء، وقيل درجة بعد درجة، ورتبة بعد رتبة في القرب من الله تعالى‏:‏ وقيل معناه لتركبن حالاً بعد حال ‏(‏خ‏)‏ عن ابن عباس قال‏:‏ لتركبن طبقاً عن طبق حالاً بعد حال هذا لنبيكم صلى الله عليه وسلم ومعنى هذا يكون لك الظفر والغلبة على المشركين حتى يختم لك بجميل العاقبة فلا يحزنك تكذيبهم وتماديهم في كفرهم وقرئ لتركبن بضم الباء، وهو الأشبه ويكون خطاب الجمع والمعنى لتركبن أيّها النّاس حالاً بعد حال وأمراً بعد أمر، وذلك في موقف القيامة تتقلب بهم الأحوال فيصيرون في الآخرة على غير الحال التي كانوا عليها في الدنيا‏.‏ وقال ابن عباس يعني الشّدائد وأهوال الموت ثم البعث ثم العرض، وقيل حال الإنسان حالاً بعد حال رضيع ثم فطيم ثم غلام ثم شاب ثم كهل ثم شيخ، وقيل معناه لتركبن سنن من كان قبلكم وأحوالهم‏.‏ ‏(‏ق‏)‏ عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لتتبعن سنن من كان قبلكم وأحوالهم شبراً بعد شبر وذراعاً بعد ذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم قلنا يا رسول الله اليهود والنّصارى قال فمن»، وقيل في معنى الآية إنه أراد به السّماء تتغير لوناً بعد لون فتصير تارة وردة كالدّهان وتارة كالمهل وتنشق مرة وتطوي أخرى ‏{‏فما لهم لا يؤمنون‏}‏ يعني بالبعث والحساب وهو استفهام إنكار ‏{‏وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون‏}‏ يعني لا يصلون فعبر بالسّجود عن الصّلاة لأنه جزء منها، وقيل أراد به سجود التلاوة وهذه السّجدة أحد سجدات القرآن عند الشّافعي ومن وافقه ‏(‏ق‏)‏ عن رافع قال «صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ ‏{‏إذا السّماء انشقت‏}‏ فسجد، فقلت ما هذا قال‏:‏ سجدت بها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه ولمسلم عنه قال‏:‏» سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ‏{‏اقرأ باسم ربك‏}‏ ‏{‏وإذا السّماء انشقت‏}‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏22- 25‏]‏

‏{‏بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ‏(‏22‏)‏ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ‏(‏23‏)‏ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ‏(‏24‏)‏ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ‏(‏25‏)‏‏}‏

‏{‏بل الذين كفروا يكذبون‏}‏ يعني بالقرآن والبعث ‏{‏والله أعلم بما يوعون‏}‏ يعني يجمعون في صدورهم من التكذيب ‏{‏فبشرهم بعذاب أليم‏}‏ يعني على عنادهم وكفرهم ‏{‏إلا الذين آمنوا وعملوا الصّالحات لهم أجر غير ممنون‏}‏ يعني غير مقطوع ولا منقوص في الآخرة، والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه‏.‏

سورة البروج

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 4‏]‏

‏{‏وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ‏(‏1‏)‏ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ‏(‏2‏)‏ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ‏(‏3‏)‏ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ‏(‏4‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏والسّماء ذات البروج‏}‏ يعني البروج الاثني عشر وإنما حسن القسم بها لما فيها من عجيب حكمة الباري جلّ جلاله، وهو سير الشّمس والقمر الكواكب فيها على قدر معلوم لا يختلف وقيل البروج والكواكب العظام سميت بروجاً لظهورها ‏{‏واليوم الموعود‏}‏ يعني يوم القيامة ‏{‏وشاهد ومشهود‏}‏ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «اليوم الموعود يوم القيامة، والمشهود يوم عرفة، والشّاهد يوم الجمعة ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجاب الله له ولا يستعيذ من شر إلا أعاذه الله منه» أخرجه الترمذي وضعف أحد رواته من قبل حفظه وهذا قول ابن عباس والأكثرين أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة وقيل الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم النحر وقيل الشاهد يوم التّروية، والمشهود يوم عرفة وإنما حسن القسم بهذه الأيام لعظمها وشرفها، واجتماع المسلمين فيها، وقيل الشاهد هو الله تعالى والمشهود يوم القيامة، وقيل الشّاهد هم الأنبياء والمشهود أي عليهم هم الأمم وقيل الشاهد هو الملك والمشهود أي عليه هو آدم وذريته، وقيل الشّاهد هذه الأمة ونبيها صلى الله عليه وسلم والمشهود عليهم هم الأمم المتقدمة، وقيل الشّاهد الأنبياء والمشهود له هو محمد صلى الله عليه وسلم لأن الأنبياء قبله شهدوا له بالنبوة وقوله، ‏{‏والسّماء ذات البروج واليوم الموعود وشاهد ومشهود‏}‏ أقسام أقسم الله تعالى بها لشرفها، وعظمها‏.‏ وجواب القسم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قتل أصحاب الأخدود‏}‏ أي لعن وقتل وقيل جوابه ‏{‏إن بطش ربك لشديد‏}‏ والأخدود الشق المستطيل في الأرض‏.‏

واختلفوا فيهم فروي عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر فلما كبر الساحر قال للملك إني قد كبرت فابعث إلي غلاماً أعلمه السحر فبعث إليه غلاماً يعلمه، وكان في طريقه إذا سلك إليه راهب فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه فكان إذا أتى السّاحر مر بالراهب، وقعد إليه فإذا أتى السّاحر ضربه، إذا رجع من الساحر قعد إلى الراهب وسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه فشكا ذلك إلى الراهب فقال إذا خشيت الساحر، فقل حبسني أهلي وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال اليوم أعلم الرّاهب أفضل أم الساحر فأخذ حجراً ثم قال اللّهم إن كان أمر الرّاهب أحب إليك من أمر السّاحر، فاقتل هذه الدّابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها فمضى الناس، فأتى الراهب فأخبره فقال له الراهب‏:‏ أي بني أنت أفضل مني قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك مبتلى فإن ابتليت فلا تدل عليّ فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص، ويداوي النّاس من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك كان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة فقال ما ها هنالك أجمع إن أنت شفيتني قال إني لا أشفي أحداً إنما يشفي الله عز وجل، فإن آمنت بالله دعوت عز وجل فشفاك فآمن به فشفاه الله عز وجل فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك من رد عليك بصرك فقال ربي‏:‏ فقال أو لك رب غيري قال ربي، وربك الله فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دله على الغلام فجيء بالغلام، فقال له الملك أي بني إنه قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل، فقال إني لا أشفي أحداً إنما يشفي الله عز وجل فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الرّاهب فجيء له بالرّاهب، فقيل له ارجع عن دينك فأبى فدعا بالميشار فوضع الميشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه ثم جيء بجليس الملك، فقيل له ارجع عن دينك فدعا بالميشار فوضع الميشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه ثم جيء بالغلام فقيل له ارجع عن دينك فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال لهم اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال اللّهم اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل، فسقطوا وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك‏:‏ ما فعل أصحابك‏؟‏ قال كفانيهم الله فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال اذهبوا به فاحملوه في قرقور فتوسطوا به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به فقال اللهم اكفنيهم بما شئت فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك ما فعل أصحابك‏؟‏ قال كفانيهم الله تعالى فقال للملك إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به فقال‏:‏ وما هو قال تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع نخل ثم خذ سهماً من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل بسم الله رب الغلام ثم ارمني به فإنك إن فعلت ذلك قتلتني فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهماً من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال بسم الله رب الغلام ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده على صدغه موضع السهم فمات، فقال الناس آمنا برب الغلام ثلاثاً، فأتى الملك فقيل له أرأيت ما كنت تحذر قد، والله نزل بك حذرك قد آمن الناس فأمر بالأخدود في أفواه السّكك فخدت وأضرم النيران وقال من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها ففعلوا ذلك حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام يا أماه اصبري ولا تقاعسي فإنك على الحق»

هذا حديث صحيح أخرجه مسلم‏.‏

وفي هذا الحديث إثبات كرامات الأولياء، وفيه جواز الكذب في مصلحة ترجع إلى الدين، وفيه إنقاذ النفس من الهلاك والأكمه هو الذي خلق أعمى، والميشار بالياء وتخفيف الهمزة وروي بالنون وذروة الجبل بالضم والكسر أعلاه، ورجف تحرك واضطرب والقرقور بضم القاف الأولى السفينة الصغيرة وانكفأت انقلبت، والصّعيد هنا الأرض البارزة والسّكك الطّرق والأخدود الشّق العظيم في الأرض، وأقحموه أي ارموه وتقاعست أي تأخرت وكرهت الدخول في النار‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ «كان بنجران ملك من ملوك حمير يقال له يوسف ذو نواس بن شرحبيل بن شراحيل في الفترة قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بسبعين سنة، وكان في بلاده غلام يقال له عبد الله بن تامر، وكان أبوه يسلمه إلى معلم يعلمه السحر فكره ذلك الغلام ولم يجد بداً من طاعة أبيه فجعل يختلف إلى المعلم وكان في طريقه راهب حسن القراءة حسن الصوت فأعجبه ذلك»‏.‏ وذكر نحو حديث صهيب وقال وهب بن منبه‏:‏ إن رجلاً كان قد بقي على دين عيسى، فوقع إلى نجران فأحبوه فسار إليه ذو نواس اليهودي بجنوده من حمير وخيرهم بين النّار واليهودية، فأبوا عليه فخدّ الأخدود وحرق اثني عشر ألفاً ثم غلب أرياط على اليمن فخرج ذو نواس هارباً، فاقتحم البحر بفرسه فغرق‏.‏

وقال‏:‏ محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر إن خربة احتفرت في زمن عمر بن الخطاب، فوجدوا عبد الله بن تامر واضعاً يده على ضربة في رأسه، إذا أميطت يده عنها انبعثت دماً، وإذا تركت ارتدت مكانها وفي يده خاتم حديد فيه مكتوب ربي الله فبلغ ذلك عمر، فكتب أن أعيدوا عليه الذي وجدتم عليه‏.‏

وقال سعيد بن جبير وابن أبزى لما انهزم أهل اسفندهار، قال‏:‏ عمر بن الخطاب أيُّ شيء يجري على المجوس من الأحكام، فإنهم ليسوا بأهل كتاب، فقال علي بن أبي طالب بلى قد كان لهم كتاب، وكانت الخمر قد أحلّت لهم فتناولها ملك من ملوكهم، فغلبت على عقله فوقع على أخته فلما ذهب عنه السكر ندم، وقال لها ويحك ما هذا الذي أتيت وما المخرج منه قالت‏:‏ المخرج منه أنّك تخطب الناس وتقول إنّ الله قد أحل نكاح الأخوات فإذا ذهب في الناس وتناسوه خطبتهم فحرمته‏.‏ فقام خطيباً بذلك فقال إن الله قد أحل لكم نكاح الأخوات فقال الناس بأجمعهم معاذ الله أن نؤمن بهذا أو نقر به، ما جاءنا به من نبي، ولا أنزل علينا في كتاب، فبسط فيهم السوط فأبوا أن يقروا، فجرد فيهم السيف فأبوا أن يقروا به فجرد لهم الأخدود، وأوقدوا فيها النيران وعرضهم عليها فمن أبى قذفه في النار ومن أجاب أطلقه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏5- 10‏]‏

‏{‏النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ‏(‏5‏)‏ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ‏(‏6‏)‏ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ‏(‏7‏)‏ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ‏(‏8‏)‏ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ‏(‏9‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ‏(‏10‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏النار ذات الوقود‏}‏، هو تعظيم لأمر تلك النار قال الربيع بن أنس نجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار يقبض أرواحهم، قبل أن تمسهم النار وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم ‏{‏إذ هم عليها قعود‏}‏، أي جلوس عند الأخدود ‏{‏وهم‏}‏ يعني الملك الذي خد الأخدود وأصحابه ‏{‏على ما يفعلون بالمؤمنين‏}‏ أي من عرضهم على النار وإرادتهم أن يرجعوا إلى دينهم ‏{‏شهود‏}‏ أي حضور وقيل يشهدون أن المؤمنين ضلال حين تركوا عبادة الصنم، ‏{‏وما نقموا منهم‏}‏ قال ابن عباس ما كرهوا منهم ‏{‏إلا أن يؤمنوا بالله‏}‏، وقيل ما عابوا ولا علموا فيهم عيباً إلا إيمانهم بالله ‏{‏العزيز‏}‏، يعني إن الذي يستحق العبادة هو الله العزيز الغالب القاهر الذي لا يغالب ولا يدافع، ‏{‏الحميد‏}‏ يعني الذي يستحق أن يحمد ويثنى عليه، وهو أهل لذلك وهو الله جل جلاله، ‏{‏الذي له ملك السموات والأرض‏}‏ أي فهو المستحق للعبادة ‏{‏والله على كل شيء‏}‏ أي من أفعالهم بالمؤمنين‏.‏ ‏{‏شهيد‏}‏ وفيه وعد عظيم للمؤمنين ووعيد عظيم للكافرين‏.‏

قوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏إن الذين فتنوا‏}‏ أي عُذِّبوا وأحرِقُوا ‏{‏المؤمنين والمؤمنات‏}‏ أي بالنار ‏{‏ثم لم يتوبوا‏}‏ أي لم يرجعوا عما هم عليه من الكفر وفيه دليل على أنهم إذا تابوا وآمنوا يقبل منهم، ويخرجون من هذا الوعيد، وأن الله تعالى يقبل منهم التوبة، وأن توبة القاتل مقبولة، وأنهم إن لم يتوبوا ‏{‏فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق‏}‏ يعني لهم عذاب جهنم بكفرهم، ولهم عذاب الحريق بما أحرقوا المؤمنين، وقيل لهم عذاب الحريق في الدنيا وذلك أن الله أحرقهم بالنار التي أحرقوا بها المؤمنين ارتفعت إليهم من الأخدود فأحرقتهم، ولهم عذاب جهنم في الآخرة ثم ذكر ما أعد للمؤمنين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 20‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ‏(‏11‏)‏ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ‏(‏12‏)‏ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ‏(‏13‏)‏ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ‏(‏14‏)‏ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ‏(‏15‏)‏ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ‏(‏16‏)‏ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ‏(‏17‏)‏ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ‏(‏18‏)‏ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ‏(‏19‏)‏ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ‏(‏20‏)‏‏}‏

‏{‏إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير‏}‏‏.‏ قوله عزّ وجلّ‏:‏ ‏{‏إن بطش ربك لشديد‏}‏ قال ابن عباس إن أخذه بالعذاب إذا أخذ الظلمة لشديد‏.‏ ‏{‏إنه هو يبدئ ويعيد‏}‏ أي يخلقهم أولاً في الدنيا، ثم يعيدهم أحياء بعد الموت ليجازيهم بأعمالهم في القيامة ‏{‏وهو الغفور‏}‏ يعني لذنوب جميع المؤمنين‏.‏ ‏{‏الودود‏}‏ أي المحب لهم، وقيل المحبوب أي يوده أولياؤه ويحبونه، وقيل يغفر ويود أن يغفر، وقيل هو المتودد إلى أوليائه بالمغفرة‏.‏ ‏{‏ذو العرش‏}‏ أي خالقه ومالكه‏.‏ ‏{‏المجيد‏}‏ قرئ بالرفع على أنه صفة لله تعالى لأن المجد من صفات التعالي والجلال، وذلك لا يليق إلا بالله تعالى‏.‏ وقرئ المجيد بالكسر على أنه صفة للعرش أي للسرير العظيم إذ لا يعلم صفة العرش وعظمته إلا الله تعالى وقيل أراد حسنه فوصفه بالمجيد فقد قيل إن العرش أحسن الأجسام، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏فعال لما يريد‏}‏ يعني أنه لا يعجزه شيء ولا يمنع منه شيء طلبه، وقيل فعال لما يريد لا يعترض عليه معترض، ولا يغلبه غالب، فهو يدخل أولياءه الجنة برحمته، لا يمنعه من ذلك مانع، ويدخل أعداءه النار لا ينصرهم منه ناصر‏.‏ ‏{‏هل أتاك‏}‏ أي قد أتاك ‏{‏حديث الجنود‏}‏ أي خبر الجموع الكافرة الذين تجندوا على الأنبياء ثم بين من هم فقال تعالى‏:‏ ‏{‏فرعون‏}‏ يعني وقومه ‏{‏وثمود‏}‏ وكانت قصتهم عند أهل مكة مشهورة ‏{‏بل الذين كفروا‏}‏ أي من قومك يا محمد‏.‏ ‏{‏في تكذيب‏}‏ يعني لك وللقرآن كما كذب من كان قبلهم من الأمم، ولم يعتبروا بمن أهلكنا منهم ‏{‏والله من ورائهم محيط‏}‏، أي عالم بهم لا يخفى عليه شيء من أعمالهم يقدر أن ينزل بهم ما أنزل بمن كان قبلهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏21- 22‏]‏

‏{‏بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ ‏(‏21‏)‏ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ‏(‏22‏)‏‏}‏

‏{‏بل هو قرآن مجيد‏}‏ أي كريم شريف كثير النفع والخير ليس هو كما زعم المشركون أنه شعر وكهانة‏.‏ ‏{‏في لوح محفوظ‏}‏ قرئ بالرفع على أنه نعت للقرآن، محفوظ يعني أن القرآن من التبديل والتغيير والتحريف، وقرئ محفوظ بالكسر على أنه نعت للوح لأنه يعرف باللوح المحفوظ وهو أم الكتاب، ومنه تنسخ الكتب وسمي محفوظاً لأنه حفظ من الشياطين من الزيادة والنقص، وهو عن يمين العرش، وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس قال «إن في صدر اللوح لا إله إلا الله وحده دينه الإسلام، ومحمد عبده ورسوله، فمن آمن بالله عزّ وجلّ وصدق بوعده واتبع رسله، أدخله الجنة» وقال‏:‏ واللوح لوح من درة بيضاء طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، وحافتاه الدر والياقوت، ودفتاه ياقوتة حمراء، وقلمه من نور، وكلامه سر معقود بالعرش وأصله في حجر ملك والله تعالى أعلم بمراده‏.‏